السيد كمال الحيدري
192
أصول التفسير والتأويل
من باطل أو شرّ أو ضرّ إنّما هو الذي نعرفه بالخلقة والفطرة ممّا لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يتنازع فيه إنسان وإنسان ولا يختلف فيه اثنان ، وإن فرض فيه اختلاف أو تنازع فإنّما هو من قبيل المشاجرة في البديهيات ، ينتهى إلى عدم تصوّر أحد المتشاجرين أو كليهما حقّ المعنى المتشاجر فيه ؛ لعدم التفاهم الصحيح . القرآن والأشكال المنطقية قال الله عزّ وجلّ مخاطباً نبيّه صلى الله عليه وآله المنذر للبشر كافّة : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( النحل : 125 ) . علّق صدر الدين الشيرازي على هذه الآية بالقول : « اعلم أنّ هذه الدعوة دعوة إلى القرآن لأنّه بمنزلة مائدة نازلة من السماء إلى الأرض ، فيها من الأطعمة من سماء العقول إلى أرض النفوس التي فيها غرس أشجار الآخرة ، وفيها لكلّ صنف من أصناف الخلق رزق معلوم ونصيب مقسوم . ففيها لأهل الخصوص أغذية لطيفة وفواكه غير مقطوعة ولا ممنوعة . فالحكمة والبرهان لقوم ، والموعظة والخطابة لقوم ، ويوجد لغيرهما أيضاً أغذية متوسّطة في اللطافة والكثافة على حسب مرامهم ومقامهم ، إلى أن ينتهى الأغذية في الثفالة والسفالة إلى حدّ القشور والنخالة ، وهى للعوامّ الذين درجتهم درجة الأنعام ، كما قال تعالى : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( النازعات : 33 ) . فأغذيتهم كأغذية الدوابّ والأنعام ، فإنّ الغذاء من جنس المتغذّى بالفعل ومن نوعه بالقوّة . فتعليم القرآن والدعوة بالآيات لكلّ قوم ينبغي أن يكون بما يناسبهم ويلائم أذواقهم ويوافق أمزجة قرايحهم ومشارب أرواحهم . فالمدعوّ إلى الله بالحكمة قوم وبالموعظة قوم وبالمجادلة قوم .